ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

32

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

طيب محيي الدين مسك في الورى * فاح لكن كل أنف لا يشم وعلوم خرجت من فيه * كل فهم بهداها ما لا يلسم قوسه من ذا الذي يرمي به * غرض التحقيق يا قوس هلم قلت : سبب الاعتراض والملام عدم فهم المراد - كما أشير إليه من الكلام - بسبب الجهل بما في كلامه من الرموز والروابط والإشارات والضوابط والحذف لمضافات ، هي في علمه وعلم أمثاله معلومات ، وما فيه من الألسن المنوعة ، والطرائق المتنوعة ، والمناهج والاصطلاحات والمذاهب المختلفات ، فتارة تجده فقيها مقلدا ، وتارة إماما مجتهدا ، وتارة صوفيا كاملا ، وتارة بالحقيقة المغطاة عاملا ، وتارة بالمجردة قائلا ، وتارة لا يدري وجهه ومقصده ، وتارة يكون عن كشف وذوق وشهود وعيان خبره وشهده ، وهذه الألسن كلها طرائق ومسالك ومناطق ، ولكل طريق منها أنوار ، يدركها أرباب المعارف والأسرار ، وكلامه فيها هو كسبب مقتضى حاله ، وما يوقعه المولى تبارك وتعالى في قلبه وباله ، ثم له هو اصطلاح خاص سوى ما يتبعه من اصطلاح غيره من الصوفية الخواص ، فمن ثم يختلف على المطالع لكلامه الأمر أحيانا ، وحذر الناصحون من مطالعته إلا ممن رسخ في العلم ، أو يدركه بالذوق إيقانا . وقال بعض المحققين : ليس الشأن في فهم مرامه ، إنما الشأن في الجمع بين كلامه . وفي « الرحلة العياشية » نقلا عن كثير من المشايخ من جملتهم شيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام أبي محمد سيدي عبد القادر بن علي الفاسي : إنهم كانوا يقولون محكم كلامه يقضي على متشابهه ، ومطلقه يرد إلى مقيده ، ومجمله إلى مبينه ، ومبهمه إلى صريحه ، كما هو شأن كل كلام ظهرت عدالة صاحبه . وإذا علم هذا فليحذر القابل للنصيحة كل الحذر من التعرض للإنكار عليه وعلى أحد ممن ظهرت عدالته ، وثبت لدى أهل المعرفة والتوفيق فضله وكرامته ، فإن ذلك بالتجربة والمشاهدة والعيان سم قاتل ، ومجرّ إلى الطرد والمقت والخزي والهوان ، وليقدر كلام الأولياء قدره ، وليعظم شأنه وأمره ، وليلحظ باطن إشاراتهم ، ولا ينظر إلى ظاهر عباراتهم ، لأنه ليس مبنيا على العقول والأذهان ، ولا على ترتيب النطق وفصاحة اللسان ، بل على نور القلب وقواعد العرفان ، فمن كان من أهل هذا الشأن فسيغنيه الشهود والعيان عن الدليل والبرهان ، وإلا فعليه بالتسليم والإذعان ، فإنه أولى بأهل التثبت والإيمان ، لئلا يقعوا في البعد والحرمان .